ابن خلكان

7

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

نالهم الخير بعد شرّ * فالوقت بسط بلا انقباض وعوّضوا فرحة بحزن * مذ أنصف الدهر في التقاضي وسرّهم بعد طول غمّ * قدوم قاض وعزل قاض فكلّهم شاكر وشاك * بحال مستقبل وماض قلت : بيتا رشيد الدين الفارقي خير هذه المقاطيع . وكان كريما جوادا ممدوحا فيه ستر وحلم وعفو ، وحكاياته في ذلك مشهورة . ثم عزل بابن الصائغ ودرّس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت سادس عشرين شهر رجب سنة احدى وثمانين وستمائة بالنجيبية جوار النورية وشيّعه الخلائق . أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين أحمد بن غانم كاتب الإنشاء يرثي قاضي القضاة شمس الدين : يا شمس علوم في الثرى قد غابت * كم نبت عن الشمس وهي ما [ إن ] نابت لم تأت بمثلك الليالي أبدا * إمّا قصرت عنه وإمّا هابت وكان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة ويقضيها ، فحضر في بعض الأيام ورام منه أمرا متعذرا فاعتذر ، فقال : ما يكون الصاحب صاحبا حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم ، فقال القاضي : بلى يا وجيه الدين ، صرنا معك قشلمشا وما ترضى . ويقال إنه عمل تاريخا للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان ، فلما وقف عليه قال : هذا يصلح أن يكون وزيرا ، اطلبوه ، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنّا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك ، وناسى السلطان عليه ، فبقي في القاهرة يركب كلّ يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدّام الصاحب إلى أن يوصله بيته ، وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه ، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه ، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره ، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحنّ إلى الإحسان إليه ، حتى فاوضه الدوادار وقال له : إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة ؟ فجهّز إلى مكانه بدمشق على القضاء . وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين